ابن عجيبة

35

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَالصَّالِحِينَ أي : الخيّرين ، أو : من يصلح للتزوج ، مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ أي : من غلمانكم وجواريكم ، والأمر : للندب ؛ إذ النكاح مندوب إليه ، والمخاطبون : ساداتهم . ومذهب الشافعي : أن السيد يجبر على تزويج عبيده ، لهذه الآية ، خلافا لمالك ، ومذهب مالك : أن السيد يجبر عبده على النكاح ، خلافا للشافعي . واعتبار الصلاح في الأرقّاء ؛ لأن من لا صلاح له بمعزل من أن يكون خليقا بأن يعتنى مولاه بشأنه ، وأيضا : فالتزويج يحفظ عليه صلاحه الحاصل ، وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر ؛ لأن الغالب فيهم الصلاح ، على أنهم مستبدون بالتصرف في أنفسهم وأموالهم ، فإذا عزموا النكاح فلا بد من مساعدة الأولياء لهم . وقيل : المراد بالصلاح : صلاحهم للتزوج ، والقيام بحقوقهم ، فإن ضعفوا ؛ لم يزوّجوا . ونفقة العبد على سيده ؛ إن زوّجه ، أو أذن له ، وإلا خيّر فيه . ثم قال تعالى : إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ من المال يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بالكفاية والقناعة ، أو باجتماع الرزقين . وفي الحديث : « التمسوا الرزق بالنكاح » « 1 » ، وقال ابن عجلان : إن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فشكا إليه الحاجة ، فقال : « عليك بالباءة » ، أي : التزوج . وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان لمن شكى إليهم العيلة ، متمسكين بقوله تعالى : إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ، فبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة والمصلحة . فالغنى ، للمتزوج ، مقيد بالمشيئة ، فلا يلزم الخلف بوجود من لم يستغن مع التزوج ، وقيل : مقيد بحسن القصد ، وهو مغيب . واللّه تعالى أعلم . الترغيب في النكاح : قال صلى اللّه عليه وسلم : « تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط » « 2 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من أحب فطرتى فليستن بسنتي ، وهي النكاح ، فإن الرجل يرفع بدعاء ولده من بعده » « 3 » ، وقال سمرة رضي اللّه عنه : ( نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التبتل ) . وقال - عليه الصلاة والسلام : « من كان له ما يتزوج به ، فلم يتزوج ، فليس منا » « 4 » وقال عليه الصلاة والسلام : « من أدرك له ولد ، وعنده ما يزوجه به ، فلم يزوجه ، فأحدث ، فالإثم بينهما » . وقال

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي ( الفردوس ح 282 ) من حديث ابن عباس ، وعزاه المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 87 ) للثعلبي ، بسند فيه لين . وانظر كشف الخفاء ( 1 / 177 ) . ( 2 ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 6 / 173 ) عن سعيد بن أبي هلال ، مرسلا ، وانظر كشف الخفاء ( 1 / 380 ) . ( 3 ) أخرجه - دون العبارة الأخيرة - البيهقي في الكبرى ( 7 / 78 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 6 / 169 ) وسعيد بن منصور في السنن ( 1 / 138 ) عن عبيد بن سعد . ( 4 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( 5481 - 5482 ) ، عن أبي نجيح مرسلا . بلفظ : « من كان موسرا لأن ينكح ، ثم لم ينكح ، فليس منى » .